القرطبي
301
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : والقول الأول ظاهر جدا ، لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوي المدعين وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه وانقطعت نسبهم ودعاويهم ، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء : " أنا الملك أين ملوك الأرض " كما تقدم في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن عمر ، ثم يطوي الأرض بشماله والسماوات بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون . وعنه قوله سبحانه : " لمن الملك اليوم " هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر . قال محمد بن كعب قوله سبحانه : " لمن الملك اليوم " يكون بين النفختين حين فني الخلق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا فيقول : " لمن الملك اليوم " فلا يجيبه أحد ، لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول : " لله الواحد القهار " لأنه بقي وحده وقهر خلقه . وقيل : إنه ينادي مناد فيقول : " لمن الملك اليوم " فيجيبه أهل الجنة : " لله الواحد القهار " فالله أعلم . ذكره الزمخشري . قوله تعالى : " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت " أي يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت " من خير أو شر . " لا ظلم اليوم " أي لا ينقص أحد شيئا مما عمله . " إن الله سريع الحساب " أي لا يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب ، لأنه العالم الذي لا يعزب عن علمه شئ فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره ، وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة . وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " ( 1 ) . وفي الخبر : ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار . قوله تعالى : وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 435 طبعة ثانيه .